ومن أعظم العلاجات لأمراض القلب العصبية , بل وأيضا للأمراض البدنية : قوة القلب وعدم انزعاجه وانفعاله للأوهام والخيالات التي تجلبها الأفكار السيئة , لأن الإنسان متى استسلم للخيالات , وانفعل قلبه للمؤثرات : من الخوف من الأمراض وغيرها , ومن الغضب والتشوش من الأسباب المؤلمة , ومن توقع حدوث المكاره وزوال المحاب , أوقعه ذلك في الهموم والغموم والأمراض القلبية والبدنية , والانهيار العصبي الذي له آثاره السيئة , التي قد شاهد الناس مضارها الكثيرة . ومتى اعتمد القلب على الله , وتوكل عليه , ولم يستسلم للأوهام , ولا ملكته الخيالات السيئة , ووثق بالله , وطمع في فضله , اندفعت عنه بذلك الهموم والغموم , وزال عنه كثير من الأسقام البدنية والقلبية , وحصل للقلب من القوة والانشراح والسرور ما لا يمكن التعبير عنه , فكم ملئت المستشفيات من مرضى الأوهام والخيالات الفاسدة , وكم أثرت هذه الأمور على قلوب كثير من الأقوياء , فضلا عن الضعفاء , وكم أدت إلى الحمق والجنون , والمعافى من عافاه الله ووفقه لجهاد نفسه لتحصيل الأسباب النافعة المقوية للقلب , الدافعة لقلقه , قال تعالى : { ومن يتوكل على الله فهو حسبه } [ سورة الطلاق : الآية 3 ] أي كافيه جميع ما يهمه من أمر دينه ودنياه , فالمتوكل على الله قوي القلب لا تؤثر فيه الأوهام , ولا تزعجه الحوادث , لعلمه أن ذلك من ضعف النفس , ومن الخور والخوف الذي لا حقيقة له , ويعلم مع ذلك أن الله قد تكفل لمن توكل عليه بالكفاية التامة , فيثق بالله ويطمئن لوعده , فيزول همه وقلقه , ويتبدل عسره يسرا , وترحه فرحا , وخوفه أمنا , فنسأله تعالى العافية , وأن يتفضل علينا بقوة القلب وثباته , وبالتوكل الكامل الذي تكفل الله لأهله بكل خير , ودفع كل مكروه وضير .
وفي قول النبي صلى الله عليه وسلم : ( لا يفرك يبغض مؤمن مؤمنة إن كره منها خلقا رضي منها خلقا آخر ) فائدتان عظيمتان : إحداهما : الإرشاد إلى معاملة الزوجة والقريب والصاحب والمعامل , وكل من بينك وبينه علقة واتصال , وأنه ينبغي أن توطن نفسك على أنه لا بد أن يكون فيه عيب أو نقص , أو أمر تكرهه , فإذا وجدت ذلك , فقارن بين هذا , وبين ما يجب عليك أو ينبغي لك من قوة الاتصال والإبقاء على المحبة , بتذكر ما فيه من المحاسن , والمقاصد الخاصة والعامة ; وبهذا الإغضاء عن المساوئ وملاحظة المحاسن , تدوم الصحبة والاتصال وتتم الراحة , وتحصل لك الفائدة الثانية , وهي زوال الهم والقلق , وبقاء الصفاء , والمداومة على القيام بالحقوق الواجبة والمستحبة , وحصول الراحة بين الطرفين , ومن لم يسترشد بهذا الذي ذكره النبي صلى الله عليه وسلم , بل عكس القضية فلحظ المساوئ , وعمي عن المحاسن , فلا بد أن يقلق , ولا بد أن يتكدر ما بينه وبين من يتصل به من المحبة , ويتقطع كثير من الحقوق التي على كل منهما المحافظة عليها . وكثير من الناس ذوي الهمم العالية , يوطنون أنفسهم عند وقوع الكوارث والمزعجات على الصبر والطمأنينة , لكن عند الأمور التافهة البسيطة يقلقون , ويتكدر الصفاء , والسبب في هذا أنهم وطنوا نفوسهم عند الأمور الكبار , وتركوها عند الأمور الصغار , فضرتهم وأثرت في راحتهم , فالحازم يوطن نفسه على الأمور القليلة والكبيرة , ويسأل الله الإعانة عليها , وأن لا يكله إلى نفسه طرفة عين , فعند ذلك يسهل عليه الصغير , كما سهل عليه الكبير , ويبقى مطمئن النفس ساكن القلب مستريحا .
العاقل يعلم أن حياته الصحيحة حياة السعادة والطمأنينة وأنها قصيرة جدا , فلا ينبغي له أن يقصرها بالهم والاسترسال مع الأكدار , فإن ذلك ضد الحياة الصحيحة , فيشح بحياته أن يذهب كثير منها نهبا للهموم والأكدار , ولا فرق في هذا بين البر والفاجر , ولكن المؤمن له من التحقق بهذا الوصف الحظ الأوفر , والنصيب النافع العاجل والآجل . وينبغي أيضا إذا أصابه مكروه , أو خاف منه , أن يقارن بين بقية النعم الحاصلة له دينية أو دنيوية , وبين ما أصابه من مكروه , فعند المقارنة يتضح كثرة ما هو فيه من النعم واضمحلال ما أصابه من المكاره , وكذلك يقارن بين ما يخافه من حدوث ضرر عليه , وبين الاحتمالات الكثيرة في السلامة منها , فلا يدع الاحتمال الضعيف يغلب الاحتمالات الكثيرة القوية , وبذلك يزول همه وخوفه , ويقدر أعظم ما يكون من الاحتمالات التي يمكن أن تصيبه , فيوطن نفسه لحدوثها إن حدثت , ويسعى في دفع ما لم يقع منها , وفي رفع ما وقع أو تخفيفه . ومن الأمور النافعة أن تعرف أن أذية الناس لك , وخصوصا في الأقوال السيئة , لا تضرك , بل تضرهم , إلا إن أشغلت نفسك في الاهتمام بها , وسوغت لها أن تملك مشاعرك , فعند ذلك تضرك كما ضرتهم , فإن أنت لم تصغ لها بالا لم تضرك شيئا . واعلم أن حياتك نبع لأفكارك , فإن كانت أفكارا فيما يعود عليك نفعه في دين أو دنيا , فحياتك طيبة سعيدة , وإلا فالأمر بالعكس . ومن أنفع الأمور لطرد الهم أن توطن نفسك على أن لا تطلب الشكر إلا من الله , فإذا أحسنت إلى من له حق عليك , أو من ليس له حق , فاعلم أن هذا معاملة منك مع الله , فلا تبال بشكر من أنعمت عليه , كما قال تعالى في حق خواص خلقه : { إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاء ولا شكورا } [ سورة الإنسان : الآية 9 ] ويتأكد هذا في معاملة الأهل والأولاد ومن قوي اتصالك بهم , فمتى وطنت نفسك على إلقاء الشر عنهم , فقد أرحت واسترحت . ومن دواعي الراحة أخذ الفضائل , والعمل عليها بحسب الداعي النفسي , دون التكلف الذي يقلقك , وتعود على أدراجك خائبا من حصول الفضيلة , حيث سلكت الطريق الملتوي , وهذا من الحكمة , وأن تتخذ من الأمور الكدرة أمورا صافية حلوة , وبذلك يزيد صفاء اللذات , وتزول الأكدار . اجعل الأمور النافعة نصب عينيك , واعمل على تحقيقها , ولا تلتفت إلى الأمور الضارة , لتلهو بذلك عن الأسباب الجالبة للهم والحزن , واستعن بالراحة وإجمام النفس على الأعمال المهمة . ومن الأمور النافعة حسم الأعمال في الحال , والتفرغ للمستقبل , لأن الأعمال إذا لم تحسم اجتمع عليك بقية الأعمال السابقة , وانضافت إليها الأعمال اللاحقة , فتشتد وطأتها , فإذا حسمت كل شيء بوقته , أتيت الأمور المستقبلة بقوة تفكير وقوة عمل . وينبغي أن تتخير من الأعمال النافعة الأهم فالأهم , وميز بين ما تميل نفسك إليه وتشتد رغبتك فيه , فإن ضده يحدث السآمة والملل والكدر , واستعن على ذلك بالفكر الصحيح والمشاورة , فما ندم من استشار , وادرس ما تريد فعله درسا دقيقا , فإذا تحققت المصلحة وعزمت فتوكل على الله إن الله يحب المتوكلين.
تمت هذه الرسالة والحمد لله رب العالمين , وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.